ابن فضلان
32
رحلة ابن فضلان
الصناعات الدقيقة كالإسطرلاب ( مثل بسطلوس المذكور لدى ابن النديم ) ، ناهيك عن المزخرفين والخطاطين ( مثل ياقوت المستعصمي الرومي ، البيزنطي ) . كانت هناك كذلك ، كما نعلم ، حاجة متزايدة للمترجمين ، ليس فحسب ممن ينقلون كتب الأمم الأخرى إلى العربية ، ولكن ممّن يقومون بدور السفراء الدبلوماسيين بين الإمبراطوريّة الإسلامية وما يجاورها من الدول . هكذا كانت تتقاطر على العاصمة مختلف اللغات والتقاليد والشعوب ، وتقيم في بغداد بحثا عن لقمة العيش . وهذا هو ما يفسّر لنا عنصرا أساسيا من رحلة ابن فضلان التي تعنينا هنا ألا وهو تشكّلها من وفد يتكوّن من أربعة أشخاص هم « 24 » : 1 - سوسن الرسي الذي يبدو من نسبته الرسي أنه من بلاد الروس . 2 - بارس الصقلابي ويدلّ اسمه بوضوح على أنّه سلافيّ . 3 - تكين التركي : وهو تركيّ من دون شكّ يجيد لغات الأتراك التي يمرّ الوفد ببلادها في طريقه إلى الفولغا ، وكان يعمل حدادا في خوارزم . 4 - أحمد بن فضلان الذي كان رئيسا للوفد وكان يجهل اللغات الأجنبيّة كما يقول هو نفسه ، إلا أنّه لم يكن عربيا البتّة فهو أحد الموالي ، وربّما كان من أصل فارسيّ . وكان مولى لمحمد بن سليمان بن المنفق أبو علي الكاتب الذي فتح مصر وشتّت آل طولون ودخلها سنة 292 ه وقتل سنة 304 ه . على أنّ كونه مولى لا يعني ، كما نرى ، أنّه كان يتقن العربيّة لوحدها ، رغم تبحّره بها ، ولعلّه كان يتقن لغة أجداده . لا يبرز ابن فضلان كبطل رئيسيّ « 25 » في الرحلة إلا لأنّه كتب الرحلة ببساطة وهو لم يجر طمس رفقته الآخرين لأيّ سبب متعمّد أو محسوب . العكس تماما فلولا رحلته لما عرفنا عن أولئك أيّة شذرة . إنّ كتابته للرحلة ، في الغالب ، لم تتمّ لكي يبني لنفسه مجدا أدبيا ، ولا لكي يعيد الاعتبار لنفسه كما يقول البعض ، خاصة وأنّنا لا نعرف له مؤلّفا آخر غيرها . لقد كان سفيرا وحسب سجّل لنا ملاحظات قيّمة
--> ( 24 ) الملاحظات عن الأشخاص الأربعة مستقاة من د . الدهان . ( 25 ) ملاحظاتنا التالية المتعلقة بشخص ابن فضلان وموقفه من رفقته هي وجهة نظر مغايرة تماما لبعض أفكار د . عبد الله إبراهيم بشأن الرجل ورحلته .